الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

109

نفحات القرآن

يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر » « 1 » . إنّ سبب هذه السرعة واضح . حيث إنّ الحساب منوط بالعلم والاطّلاع الكامل ومنوط أيضاً بالقدرة الخارقة . ورعاية العدالة . وبما أنّ اللَّه سبحانه وتعالى يمتلك الحدّ الأكمل من هذه الصفات لذا فانّه تعالى له القدرة على محاسبة جميع الناس في لمحة بصر . إنّ وضع أعمال الإنسان والآثار التي تتركها في روحه وجسمه تذكّره دائماً ، فهي تحتفظ بنفسها بحساب جميع الأعمال ، ويمكن تشبيهها من هذه الجهة بالسيارات أو الطائرات أو السفن . حيث من الممكن حساب جميع ما قطعته السيارة أو الطائرة طيلة عمرها من خلال العدّاد ( جهاز الكيلو متر ) فكذلك حساب أعمالنا فلا تحتاج إلّاإلى نظرة واحدة لترى وتقرأ هذا المقياس في وجود الإنسان وعينه وأذنه ويده ورجله وروحه . إنّ كل هذه التعابير لها أهداف تربوية هامة ، ويتضح هذا بشيء من التأمل والتدبّر في هذه الآيات . لقد تحدّثت الآية الخامسة عشرة عن حساب أعمال العباد من قبل اللَّه تبارك وتعالى فقالت صراحة : « إِنَّ إِلَيْنَا ايابَهُم * ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم » . في حين أنّ الآية السادسة عشرة تقول : « اقرأ كِتابَك كَفَى بِنَفسِكَ اليَوْمَ عَلَيكَ حَسِيباً » ، ولكن لا يوجد أي تضاد أو منافاة بين الاثنتين . فالحسيب الأصل هو اللَّه تبارك وتعالى ولكنّه يقول للإنسان أيضاً ، أنت تستطيع أن تُحاسب نفسك بنفسك ، وفي النتيجة تكون جميع المحاسبات واحدة ، لا تحيد عن الحق والعدل ، لماذا ؟ لأنّ أدلة الحساب في غاية الوضوح والجزاء معين ، والقوانين الإلهيّة في ذلك اليوم

--> ( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 1 و 2 ، ص 298 .